أحمد زكي صفوت

111

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

زبراء كاهنة ، فقالت لخويلة : انطلقي بنا إلى قومك أنذرهم ، فأقبلت خويلة تتوكّأ على زبراء ، فلما أبصرها القوم ، قاموا إجلالا لها . فقالت : « يا ثمر الأكباد ، وأنداد « 1 » الأولاد ، وشجا « 2 » الحسّاد ، هذه زبراء ، تخبركم عن أنباء ، قبل انحسار الظّلماء ، بالمؤيد « 3 » الشّنعاء ، فاسمعوا ما تقول » . قالوا : وما تقولين يا زبراء ؟ قالت : « واللّوح « 4 » الخافق ، والليل الغاسق « 5 » ، والصّباح الشّارق ، والنّجم الطّارق « 6 » ، والمزن الوادق « 7 » ، إن شجر الوادي ليأدو ختلا « 8 » ، ويخرق أنيابا عصلا « 9 » ، وإن صخر الطّود لينذر ثكلا « 10 » ، لا تجدون عنه معلا « 11 » » . فوافقت قوما أشارى « 12 » سكارى ، فقالوا : « ريح خجوج « 13 » ، بعيدة ما بين الفروج ، أتت زبراء بالأبلق النّتوج « 14 » » . فقالت زبراء : « مهلا يا بنى الأعزّة ، واللّه إني لأشمّ ذفر « 15 » الرجال تحت الحديد »

--> ( 1 ) أنداد : جمع ند بالكسر ، وهو المثل والنظير . ( 2 ) الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه . ( 3 ) المؤيد : الداهية والأمر العظيم . ( 4 ) اللوح بالضم والفتح ( والضم أعلى ) : الهواء بين السماء والأرض . ( 5 ) غسق الليل كجلس : اشتدت ظلمته . ( 6 ) الطارق : في الأصل ، كل من أتى ليلا ، ثم استعمل في النجوم لطلوعها ليلا . ( 7 ) المزن : السحاب أو أبيضه أو ذو الماء ، والوادق من ودق المطر كوعد : قطر . ( 8 ) أدوت له آدو أدوا إذا ختلته وخدعته ( ودأيت له ، ودألت له أيضا ) والختل : الخدع . ( 9 ) حرق أنيابه : إذا حك بعضها ببعض ، والعرب تقول عند الغضب يغضبه الرجل على صاحبه : « هو يحرق على الأرم » والأرم كسكر : الأضراس ، والعصل : المعوجة جمع أعصل . ( 10 ) الطود : الجبل ، والثكل ؛ الفقد . ( 11 ) المعل : المنجى . ( 12 ) الأشر محركة : المرح . ( 13 ) الخجوج : السريعة المر . ( 14 ) الأبلق : وصف من البلق محركة ، وهو ارتفاع البياض في قوائم الفرس إلى الفخذين ، والأبلق لا يكون نتوجا ، والعرب تضرب هذا مثلا للشيء للذي لا ينال ، تقول « طلب الأبلق العقوق ، فلما فاته أراد بيض الأنوق » والعقوق كصبور : الحامل ، والأنوق كصبور أيضا : الذكر من الرخم ولا بيض له ، هذا قول بعض اللغويين . فالمعنى أنه طلب مالا يمكن ، فلما لم يجد طلب أيضا ما لا يكون ولا يوجد ، وعامتهم يقولون : الأنوق الرخمة وهي تبيض في مكان لا يوصل فيه إلى بيضها إلا بعد عناء . فالمعنى أنه طلب ما لا يقدر عليه ، فلما لم ينله طلب ما يجوز أن يناله . ( 15 ) الذفر : حدة الريح ، يكون في النتن والطيب ( والدفر لا يكون إلا في النتن ) .